الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
260
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذه المقالة صدرت من معتّب بن قشير قال الزبير بن العوّام : غشيني النّعاس فسمعت معتّب بن قشير يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا . فحكى القرآن مقالته كما قالها ، وأسندت إلى جميعهم لأنّهم سمعوها ورضوا بها . وجملة قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ردّ عليهم هذا العذر الباطل أي أنّ اللّه ورسوله غير محتاجين إلى أمركم . والجملة معترضة . وقرأ الجمهور : كلّه - بالنصب - تأكيدا لاسم إنّ ، وقرأه أبو عمرو ، ويعقوب - بالرفع - على نيّة الابتداء . والجملة خبر إنّ . قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ . لقن اللّه رسوله الجواب عن قولهم : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا . والجواب إبطال لقولهم ، وتعليم للمؤمنين لدفع ما عسى أن يقع في نفوسهم من الريب ، إذا سمعوا كلام المنافقين ، أو هو جواب للمنافقين ويحصل به علم للمؤمنين . وفصلت الجملة جريا على حكاية المقاولة كما قرّرنا غير مرّة . وهذا الجواب جار على الحقيقة وهي جريان الأشياء على قدر من اللّه والتسليم لذلك بعد استفراغ الجهد في مصادفة المأمول ، فليس هذا الجواب ونظائره بمقتض ترك الأسباب ، لأنّ قدر اللّه تعالى وقضاءه غير معلومين لنا إلّا بعد الوقوع ، فنحن مأمورون بالسعي فيما عساه أن يكون كاشفا عن مصادفة قدر اللّه لمأمولنا ، فإن استفرغنا جهودنا وحرمنا المأمول ، علمنا أنّ قدر اللّه جرى من قبل على خلاف مرادنا . فأمّا ترك الأسباب فليس من شأننا ، وهو مخالف لما أراد اللّه منّا ، وإعراض عمّا أقامنا اللّه فيه في هذا العالم وهو تحريف لمعنى القدر . والمعنى : لو لم تكونوا هاهنا وكنتم في بيوتكم لخرج الّذين كتب اللّه عليهم أن يموتوا مقتولين فقتلوا في مضاجعهم الّتي اضطجعوا فيها يوم أحد أي مصارعهم فالمراد بقوله : كُتِبَ قدّر ، ومعنى لَبَرَزَ خرج إلى البراز وهو الأرض . وقرأ الجمهور باء ( بيوتكم ) - بالكسر - . وقرأه أبو عمرو ، وورش عن نافع ، وحفص ، وأبو جعفر - بالضم - . والمضاجع جمع مضجع - بفتح الميم وفتح الجيم - وهو محلّ الضجوع ، والضجوع : وضع الجنب بالأرض للراحة والنّوم ، وفعله من باب منع ومصدره القياسي الضجع ، وأمّا الضجوع فغير قياسي ، ثمّ غلب إطلاق المضجع على مكان النّوم قال تعالى : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [ السجدة : 16 ] وفي حديث أمّ زرع : « مضجعه كمسلّ شطبة » . فحقيقة الضجوع هو وضع الجنب للنّوم والراحة وأطلق هنا على مصارع القتلى على سبيل